مفهوم الحب .. مقاربة سوسيولوجية

مفهوم الحب .. مقاربة سوسيولوجية

عندما تتبدى تباشير الحب وتتصاعد رويداً رويداً، يجيء الإنسان حبواً نحو المصير ذاته الذي يلقاه كل عاشق وامق.

يندهش المرء حينما يتصفح مرادفات كلمة "الحب"، فيجد زمرة منها على أشكال وألوان ودرجات متعددة، تُعتمد كل واحدة في مجال ما. ومن قبيل هذه المرادفات: العطف، الحنان، الكلف، العشق، الومق، الهيام، الدلف، الصبابة، الولع، الإعجاب، الود، الهوى، العلاق، الغرام، الوجد، الشغف، النجوى، الخُلة، الشوق، الوله، ... غير أن المثير في هذه المرادفات، هو ذلك الكم الهائل من المصطلحات التي تقابل "الحب" على مستوى الأوساط الاجتماعية بالمغرب، فكل منطقة بالمغرب تستقل بمفردات خاصة بها وتحتفي بها، ذلك ما يؤكد الغنى الثقافي واللغوي لهذا " المجتمع المركب " كما أشاد بذلك بول باسكون.


إن الإنسان في خضم حياته اليومية، لا يعير اهتماماً بشكل مباشر لهذا المفهوم المتجذر في كل الثقافات والشعوب، لكنه وبشكل غير مباشر لا يستطيع أن يستغني عنه، كما لو كان الحب هو ذلك الرابط الخفي من ضمن مختلف الروابط الاجتماعية التي تؤسس هذا المجتمع المغربي، وعلى هذا الأساس، يمكننا الجوم ولو بعينين مغمضتين: الحب في القاموس المغربي شبيه بالخبز والشاي والحليب.. وكل الضروريات المعيشية التي لا يستطيع المغربي أن يعيش بعيداً عنها مدة أطول.

إن الحب في المجال الثقافي المغربي، ضروري كضرورة اللغة، إنه لغة أخرى من لغات البشر، لكن دون حروف وأشكال. إنه إحساس مشترك بين الطبقات الاجتماعية، وبين الأفراد في الطبقة الواحدة. بل يعد "الحب" في صفوف الشباب، الضامن الأساسي لتحقيق وجودية مشتركة، ذلك ليعلو شأن الشباب فوق سلطة الشيوخ وكبار السن، حتى يتبوأ الشاب المغربي المكانة التي يصبو إليها كغيره من أفراد المجتمع.

يبقى الأمر البديهي في هذا السياق، أن الحب عاطفة بلا ضفاف، تجول كل أرجاء الإنسانية، وتغدق على الإنسان الكثير من المتغيرات السوسيولوجية والسيكولوجية، وترسم على محياه بعض ملامح الحياة، لذلك فالحب هو عقيدة لصنع الحياة. غير أن هذا الأمر لا يمنعنا من الكشف عن خبايا "الحب" التي تؤتي مصيراً مغايراً. فعندما يقول أحدهم: "وقعت في الحب"، فكأنما يدعي سقوطاً مباشراً إثر عثرة قدم، سقوط في الهاوية أو وقوع في فخ، أو في خطيئة ما، وهذ ما يجعل للحب جانباً آخر غيير ذلك الجانب النوراني والباعث للحياة، فقد يكون مقيتاً كمقت الكراهية، أو سوء الحال.

الحب نشاط إنساني، وهو أحياناً دافع من دوافع الإنتاج ومتكأ بغية الاستمرار في العطاء، وذلك ما يتضح من خلال "حب العمل"، فحينما يحب المرء عمله، فهو يشتغل بمنطق إيجابي، وتحرك نشيط وفعالية مثمرة، حيث يصير عمل الإنسان محبوباً ومنتجاً أكثر. وهنا يمكننا الجزم بأن الحب يساوي العطاء، وهذه صورة أخرى من صور هذا المفهوم العميق والمتشعب في كل أركان الحياة الإجتماعية. وقد يمتد صدى هذا المفهوم إلى مسألة الانتماء، فكل فرد له انتماء معين، وهذا الانتماء من الطبيعي أن يتأسس على الحب، وأن يغدو انتماء المرء إلى مجتمع أو قبيلة أو عرق أو جماعة ما، هو بالأساس حباًّ وميلةً عظيمةً توشك على التمظهر على شاكلة عصبية ابن خلدون.

لا يزال الحب يمتعنا بتجلياته الاجتماعية، فيتجلى هذه المرة في مسألة التضامن الاجتماعي، الذي قد ينحو منحى عضويا أو منحىً آلياًّ، حيث نرى الحب يتخفى في مقومات أخرى، يعيشها الفرد طيلة فتراته اليومية، ولا يكاد يلقي لها بالاً، وما ذلك إلا رغبةً في العيش تحت رحمة الحب، التي تضمن له تضامنا اجتماعيا ولو بصورة تلقائية قد تعود على ممارستها فصارت عادةً من عاداته المكتسبة ضمن صيرورته الاجتماعية (التنشئة الاجتماعية).

المدهش في تيمة الحب، كون الفرد ولو أنه في حياته يعيش على نغمات الحب وارتسامات الغربيين، وشبابنا يصطفون على هذا المنوال، ويأخذون أجود الطرق للتعبير عن أحساسهم الفياضة، ويقتسمون لحظات الحزن والفرح، ويتضامنون لأجل الظفر بالطرف الآخر. إلا أنهم رغم ذلك، ينهجون منهج الأسلاف عند الميقات الحاسم، واللحظة الرسمية في الحياة، وهي الزواج، وفي ذلك يقول علم الاجتماع الدكتور العراقي علي الوردي: "التناقض الاجتماعي كامن في أعماق الشاب العربي، فهو يقلد الشاب الغربي في أفانين الغرام، ولكنه في الزواج يريد تقليد أبيه وأعمامه وأخواله. إنه في غرامياته (دون خوان) وفي زواجه (حاج عليوي) ".

{facebookpopup}

e-max.it: your social media marketing partner

новинки кинематографа
Машинная вышивка, программа для вышивания, Разработка макета в вышивальной программе, Авторский дизайн